حرمة العضل بين شرف الشريعة وسلطان القانون: صيانة لحقوق المرأة وحريتها

إن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وصلاحها يبدأ من حسن التأسيس القائم على الرضا والاختيار. ومن أخطر الآفات الاجتماعية والشرعية التي تمس هذا التأسيس ما يُعرف بـ “العَضْل”، وهو منع الفتاة أو المرأة من الزواج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغبت فيه، دون سبب مشروع.
​في هذا المنشور، نسلط الضوء على هذه القضية من منظورين متكاملين: الشريعة الإسلامية الغراء، والتشريع القانوني السوري، لنبين كيف تضافرت الأحكام الدينية والنصوص القانونية لحماية حق المرأة في تقرير مصيرها.
​أولاً: المنظور الشرعي (حرمة العضل في الإسلام)
​جاء الإسلام ليرفع عن المرأة الظلم ويمنحها الأهلية الكاملة في اختيار شريك حياتها. والعضل في الشريعة الإسلامية محرم شرعاً، وهو من كبائر الذنوب لما فيه من تعدٍّ على حقوق العباد وإلحاق الضرر بالمرأة.
​من القرآن الكريم: يقول الله تَعَالَى في سورة البقرة:
​{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ}.
وهذه الآية نزلت صراحة في معقل بن يسار حين مَنَع أخته من العودة لزوجها بعد طلاقها، فنهته الآية عن ذلك.
​من السنة النبوية: أكد النبي ﷺ على معيار الكفاءة والدين كسبب وحيد للقبول، فقال:
​”إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ”.
​الحكم الفقهي: إذا ثبت عضل الولي بلا سبب شرعي معتبر (كأن يكون الخاطب ذا دين وخُلق وكفء)، فإن ولايته تسقط في هذه المسألة، وتنتقل الولاية إلى القاضي (السلطان) لأن “السلطان ولي من لا ولي له”، ليُقَرّ الحق ويُرفع الظلم.
​ثانياً: المنظور القانوني (مواجهة العضل في قانون الأحوال الشخصية السوري)
​لم يقف المشرّع السوري مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة، بل استلهم أحكام الفقه الإسلامي وصاغها في نصوص قانونية حاسمة تضمن للمرأة ملاذاً قضائياً آمناً إذا ما تعسّف وليّها في استخدام سلطته.
​تنظم المادة 20 من قانون الأحوال الشخصية السوري آلية التعامل مع عضل الولي وفق الخطوات القضائية التالية:
​تقديم الطلب: إذا طلب البالغة (التي أتمت الثامنة عشرة من عمرها) الزواج، وامتنع وليها عن تزويجها دون سبب مشروع، يحق لها التقدم بطلب إلى القاضي الشرعي.
​إعذار الولي: يقوم القاضي بتبليغ الولي والطلب منه الحضور لبيان أسباب امتناعه خلال مدة يحددها له (غالباً تكون مهلة قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام).
​قرار القاضي:
​إذا تخلّف الولي عن الحضور دون عذر، أو كان اعتراضه غير مبني على سبب مشروع أو كفاءة معتبرة، يتولى القاضي بنفسه تزويجها من الكفء بمهر المثل.
​أما إذا كان اعتراض الولي مستنداً إلى سبب قانوني وشرعي صحيح (كعدم الكفاءة أو ثبوت سوء سلوك الخاطب)، فإن القاضي يرفض الطلب حماية لمصلحة الفتاة والأسرة.
​أبعاد التكافل بين الدين والقانون
​إن مواجهة العضل ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي رسالة مجتمعية تهدف إلى:
​محاربة العادات الجاهلية: مثل الإجبار، أو الحجر على الفتاة لقرابة معينة (النهوة عشائرياً)، أو منعها طمعاً في راتبها أو إرثها.
​تثبيت الأهلية الإنسانية: التأكيد على أن المرأة شريكة كاملة الأهلية في بناء المجتمع، ولا يجوز تحويل “الولاية” من مسؤولية حماية ورعاية إلى أداة تحكّم وقهر.
​خاتمة وتوجيه مخلص:
إن الولاية في الإسلام شُرعت للمصلحة والنصح لا للقهر والتحكم. ومكتبنا يسعى دائماً لنشر الوعي القانوني والشرعي، والتأكيد على أن أبواب القضاء الشرعي ستبقى دائماً الحصن المنيع لرفع الظلم، وصون كرامة الأسرة، وتقديم المساندة والدعم القانوني لكل من يواجه تعسفاً يمس حقوقه الأساسية.